راجي الأسمر
259
المعجم المفصل في علم الصرف
اتفاق « الأولق » و « ولق » في اللفظ تقاربهما في المعنى ، لأنّ هذا الاتفاق بين اللفظين وقع بالعرض ، كاتّفاق « الأسود » و « الأبيض » في لفظ « الجون » ، إذ لا جامع ، من طريق المعنى ، بين « الجون » الذي يراد به الأبيض ، و « الجون » الذي يراد به الأسود . فإن قيل : فكيف يجوز أن تقول « هذا اللفظ مشتقّ من هذا اللفظ » ، وأحدهما ليس بمأخوذ من الآخر ، وقولك « مشتقّ » يعطي أخذ أحدهما من صاحبه ؟ فالجواب أنّ هذا على طريق المجاز ، كأنّهما - لاتّحاد لفظيهما وتقارب معنييهما - قد أخذ أحدهما من الآخر ، كما تقول في الشّخصين المتشابهين : هذا أخو هذا ، تشبيها لهما بالأخوين . ولما خفي هذا الوجه ، من الاشتقاق ، على بعضهم ردّ قول من زعم أنّ اسم « اللّه » تعالى مشتقّ من « الوله » أو من غير ذلك ، لأنّ « اللّه » هذا اللفظ قديم - لأنّ أسماء اللّه تعالى قديمة - و « الوله » لفظ محدث ، والمشتقّ منه قبل المشتقّ ، فيلزم على هذا أن يكون المحدث قبل القديم . وذلك خلف « 1 » . ولو علم أنّه قد يقال : « هذا اللفظ مشتقّ من هذا » ، وإن لم يكن مأخوذا منه - كما قدّمنا - لم ينكر ذلك . والحدّ الجامع لهذا الضرب ، من الاشتقاق - أعني الأصغر - هو « عقد تصاريف تركيب ، من تراكيب الكلمة ، على معنى واحد ، أو معنيين متقاربين . وذلك نحو ردّك « ضاربا » و « ضرّابا » و « ضروبا » و « مضرابا » وأمثال ذلك إلى معنى واحد ، وهو : الضرب . إلا أنّ أكثر الاشتقاق ، ومعظمه ، داخل تحت ما حدّه النحويّون به ، من أنّه « إنشاء فرع من أصل يدلّ عليه » . وأمّا « المشتقّ » فيقال للفرع ، الذي صيغ من الأصل ، لأنّك تطلب معنى الأصل ، في الفرع ، فكأنّك تشتقّ الفرع ، لتخرج منه الأصل ، وكأنّ الأصل مدفون فيه . و « المشتقّ منه » هو الأصل . فإن قيل : فكيف يصحّ أن يقال في الفرع إنّه مشتقّ من الأصل - أي مأخوذ منه - والأصل لا ينفصل منه الفرع ؟ فالجواب أنّ ذاك يصحّ ، على جهة الاستعارة والمجاز . وذلك أنّه لمّا كان لفظ الفرع مبنيّا من حروف الأصل ، وكان معنى الأصل موجودا فيه ، صار لذلك كأنّه جزء من الأصل ، وإن كان الأصل لم ينقض منه شيء . فإن قيل : إذا كانت البنيتان متّحدّتين في الأصول والمعنى ، فبأيّ شيء يعلم الأصل من الفرع ؟ فالجواب أنّ الأصل يستخرج بشيئين : باعتبار دوره في اللفظ والمعنى وبأنّه ليس هنالك ما هو به أولى . والوجوه التي يكون بسببها أولى تسعة : أوّلها : أن يطّرد معنيان ، أحدهما أمكن من الآخر ، لكثرة ما يشتقّ منه ، كالمصدر ،
--> ( 1 ) الخلف : الرديء الفاسد .